أحمد بن يحيى العمري
70
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وترقّى حتى جلس في الدست « 1 » لقراءة القصص ، والتوقيع عليها . ولمّا قدم السلطان محمود غازان دمشق ، كان فيمن كتب له وكتب التقاليد لقبجاق وبكتمر السلحدار ، والفارس البكي . وكان قادرا على كثرة الكتابة مطيقا لها مع اطلاع كثير على فنون عدّة . وألّف في اللغة كتابا جليلا أظنّه سمّاه نهاية الأدب في لغة العرب « 2 » ، جمع فيها مشاهير كتب اللغة الجليلة ورتّبه ترتيب الجوهري لكتاب الصحاح ، وكتب عليه شيخنا أبو الثناء محمود الحلبي وأبو حيّان تقريض الكتاب وشكره ، ووقفت على أجزاء منه على كل منها تقريض خاص ، منه قول شيخنا أبي الثناء : وكان ابن المكرم مغرى باختصار الكتب المطولة ، فممّا اختصر ، تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب ، والذيل عليه لابن النجار ، وتاريخ الحافظ أبي القسم ابن عساكر ، والجامع في المفردات لابن البيطار ، ورأيت أطباء ديار مصر الأجلاء كالسديد الدمياطي وفرج الله بن صغير ، وغيرهما يثنون على حسن اختياره ، ويقولون : إنه مع اختصاره لم يخلّ فيه مقصد من مقاصده ، ولا ترك موضعا لم يأت عليه من فوائده إلى غير هذا مما كتب وآونة احتطب . وكان على هذا كله مقصّرا في صناعة الإنشاء غير محصد الرشاء على أنه كان يأتي بالأبيات من الشعر ؛ وإن لم يكن ممّا يبهر حسنها ، ولا يسرف فنّها . وكلّها من باب المقبول أو ما يدانيه ، ويقال : إنّه كتب بخطّه خمسمئة ، وكان كلّما يكتب على طريقة واحدة بقلم دقيق كتابة مغلقة التعليق لا يكاد يبين . ولم يزل يكتب ويسهر الليل في الكتابة ، حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرا لا يلمّ فيها بكرى ، ولا يطعم جفونه فيها بهجعة ، وكان يتخذ إلى جانبه إناء فيه ماء ، فإذا غلبه السهر وكاد يصرعه الكرى ، أخذ من الماء فسكب في عينيه فعمي وعدم نور بصره ، وجلس في مجلس العمى في آخر عمره ، وكان مع هذا رجلا مغرما بالنساء مغرى بالنكاح ، لا يكاد تربط له تكّة ، ولا يقبضه عنه مسكة إلى ولع كما يقال بالخمر عفا اللّه عنه لا يترك كؤوسها عن مطي
--> ( 1 ) الدست : أو ، الدشت ، من الثياب والورق وصدر البيت . القاموس المحيط ( الدست ) 194 . ( 2 ) يقصد بذلك : ( معجم لسان العرب ) .